
في تقويم الأنواء الفلكي عند أهل الجزيرة العربية، لا يوجد موسمان أكثر شهرة وتأثيراً من المربعانية والشبط. هما موسمان متعاقبان يمثلان ذروة البرد القارس في فصل الشتاء، ويعدّان من أشدّ الفصول قسوة على الإنسان والحيوان والنبات. فالمربعانية التي تبدأ في 7 ديسمبر تجلب صقيعاً وبرداً يُركّب به أهل البادية والقرى، وتليها الشبط في 15 يناير بجولة برد ثانية تُركّب بها حتى المدن الساحلية. في هذا المقال نستعرض نجوم هذين الموسمين الثمانية بالتفصيل، وأمثلة العرب الشهيرة عنهما، وكيف كان الناس يستعدّون لهما قديماً وحديثاً.
ماذا تعني كلمة «المربعانية»؟
المربعانية مشتقة من «المربع» وهو المكان الذي يُربع فيه الناس أي يستقرون فيه في فصل الشتاء بعد أن كانوا يتنقلون في الصيف والخريف. لدى أهل البادية بيت شتوي ثابت يُسمّى «المربع» يأوون إليه في أسعد أيام الشتاء، وكان دخولهم فيه يتزامن مع بداية هذا الموسم الفلكي. لذلك سمّي هذا الموسم «المربعانية» أي موسم المربع أو موسم الاستقرار الشتوي. ويبدأ هذا الموسم رسمياً بطلوع نجم الإكليل في بداية ديسمبر.
ماذا تعني كلمة «الشبط»؟
الشبط كلمة تعني «الشدة» و«القسوة» عند العرب، وقيل إنها من «شَبِطَ» أي اشتدّ وصَلَب. الشبط هو الموسم الذي يلي المربعانية مباشرة، وهو في الواقع أشدّ منها برداً وأكثرها قسوة على الكائنات الحية. يقول العرب إن «الشبط رجل غدّار» لأنه يفتح برداً بعد برد، أي يتجدد البرد بعد هدوء نسبي في أواخر المربعانية، فلا يثق الناس به أبداً حتى مع بدء ظهور نجوم الربيع.
المربعانية: البرد الأول والأشهر (4 منازل — 52 يوماً)
1. الإكليل — بداية الشتاء الرسمية (7 ديسمبر)
الإكليل أول نجوم المربعانية وأكثرها شهرة، وهو منزلة فلكية في نواحي برج العقرب. بطلوع الإكليل يبدأ الشتاء رسمياً عند أهل الجزيرة العربية، وتبدأ درجات الحرارة بالانخفاض الملحوظ خاصة في الليل والصباح الباكر. يستقبل الناس هذا الطالع بإعداد الحطب والفحم وفتح بيوت الشتاء.
البرد في الإكليل غالباً ما يكون مصحوباً بأمطار خفيفة وقد يرتفع إلى زمهرير في المناطق الجبلية. يقول العرب: «إذا طلع الإكليل، ثار العجاج في الليل، ولم تجد في الغدير بيل»، إشارة إلى جفاف الأرض وبرودة المياه رغم احتمال سقوط بعض الأمطار.
2. القلب — منتصف المربعانية وأشدّ برد (20 ديسمبر)
القلب هو «قلب العقرب» ويُعرف أيضاً بأنه من أشدّ الليالي برداً في السنة. يظهر في حوالي 20 ديسمبر، أي في منتصف فصل الشتاء الفلكي، ويكون البرد في أشدّه بين نجوم المربعانية كلها.
القلب من النجوم التي يحذر منها أهل البادية أشد التحذير: «إذا طلع القلب، هرب الصيادُ في الغيضِ»، أي حتى الصياد المتمرس لا يستطيع التحمّل في الخارج في هذا البرد القارس. ويعدّ يوم القلب من أطول الأيام في المربعانية من حيث البرد الليلي المرافق، وتُقدّم فيه للمواشي أطعمة دسمة كالعلف الجاف والشعير المطبوخ للوقاية من الصقيع.
3. الشولة — ذروة البرد والصقيع (2 يناير)
الشولة ثالث نجوم المربعانية وأكثرها برداً وصقيعاً. تظهر في حوالي 2 يناير، أي في مطلع السنة الميلادية الجديدة، وتكون الليالي فيها من أبرد الليالي على الإطلاق. «برد الشولة» عبارة مشهورة يتداولها الناس في هذا الوقت، وهو من أشدّ البرد الذي يصل أحياناً إلى الصقيع الجاف في المناطق الداخلية والصحراوية، وقد يتساقط الثلج على قمم الجبال في نجد والحجاز في هذا الطالع.
الشولة من المواسم التي تأثرت بها حياة الناس تأثيراً مباشراً: فالمزارعون يخافون على محاصيلهم من الصقيع، والرعاة يحرصون على عدم خروج المواشي في الصباح الباكر إلا بعد ارتفاع الشمس قليلاً في السماء.
4. النعائم — انفراج البرد وبداية الارتواء (15 يناير)
النعائم آخر نجوم المربعانية وأكثرها اعتدالاً نسبياً. تظهر في حوالي 15 يناير، وتبدأ معها أولى علامات الانفراج في شدة البرد: يطول النهار قليلاً ويقصر الليل، ويبدأ الناس بالشعور بالدفء النسبي في النهار.
العرب يقولون: «إذا طلعت النعائم، توكّلت على الله واجترأت»، أي أنه يمكن للإنسان أن يخرج للبرّ دون خوف شديد من البرد القاتل. ويعتبر هذا الطالع بداية نهاية المربعانية الرسمية، رغم أن البرد لا يزال مستمراً بشكل عام حتى مع بزوغ هذه المنزلة.
الشبط: الجولة الثانية من البرد (4 منازل — 52 يوماً)
1. البلدة — بداية الشبط المتجدد (28 يناير)
البلدة أول نجوم الشبط وهي «بلدة فارغة» أي منطقة خالية من النجوم الظاهرة في ذلك الوقت. تظهر في حوالي 28 يناير، وبعد هدوء نسبي في آخر المربعانية (أيام النعائم)، يعود البرد مرة أخرى بقوة ويباغت الناس الذين ظنّوا أن البرد قد انتهى.
الشبط «رجل غدّار» كما يقول العرب، لأنه يفتح برداً جديداً بعد أن ظنّ الناس أن البرد قد انتهى. والبلدة في الواقع من أشدّ المنازل برداً رغم أنها ليست الأشهر إعلامياً، وفيها تبدأ أهم عادات الشتاء الساحلية للقرى المطلة على البحر.
2. سعد الذابح — البرد الجاف القاتل (10 فبراير)
سعد الذابح من أشدّ نجوم الشبط برداً وقسوة. يظهر في حوالي 10 فبراير، ويكون البرد فيه جافاً وحاداً لا يُطاق إلا بغطاء سميك وتدفئة مستمرة، ولا يخفف من وطأته وجود أي رطوبة في الجو.
العرب يقولون: «بسعد الذابح يُجهد الذابح»، أي أن حتى الذي يذبح الحيوان لحاجته في المزارع (عادةً ما يكون ذلك في الصباح الباكر) يجد صعوبة بالغة في العمل بسبب قسوة البرد. هذا الطالع خطير على الأطفال والمسنّين والحيوانات الصغيرة، وعلى أهل الصيد والتخييم في البرية الالتفاف حول النار طوال الليل.
3. سعد بلع — آخر جولات البرد (23 فبراير)
سعد بلع ثالث نجوم الشبط وأكثرها جفافاً نسبياً. يظهر في حوالي 23 فبراير، ويكون البرد فيه أقل شدة من سعد الذابح لكنه لا يزال مؤلماً في الصباح الباكر، وقد تصاحبه زخات مطر خفيفة نادرة في بعض المناطق الساحلية.
العرب يقولون: «سعد بلع: بلع الحرّ والماء في الأرض»، إشارة إلى أن هذا الطالع يبتلع الدفء المتبقى ويجفّف المياه السطحية، ويعقبه انفراج ملحوظ في البرد مع دخول سعد السعود.
4. سعد السعود — نهاية البرد وبداية الدفء (8 مارس)
سعد السعود آخر نجوم الشبط وأكثرها اعتدالاً. يظهر في حوالي 8 مارس، ومعه تنتهي رسمياً مواسم البرد الطويل وتبدأ مواسم الربيع الدافئة المعروفة عند العرب بـ«العقارب»。 العبارة الشهيرة: «بطلوع سعد السعود، خفّت الثياب وشُدّت المزية»، إشارة إلى أن الناس يبدؤون بإنقاص الطبقات السميكة من الثياب وتخفيف الأغطية الثقيلة في بيوتهم.
ويعتبر هذا الطالع من أكثر الطوالع فرحاً في الحياة اليومية للناس، لأنه يعلن عن قرب نهاية الشتاء ووداع برد الشبط القارس.
جدول مقارن: المربعانية والشبط
| الخاصية | المربعانية | الشبط |
|---|---|---|
| المدة | 52 يوماً (7 ديسمبر – 15 يناير) | 52 يوماً (28 يناير – 8 مارس) |
| النجوم | الإكليل، القلب، الشولة، النعائم | البلدة، سعد الذابح، سعد بلع، سعد السعود |
| أشدّ يوم | القلب (20 ديسمبر) | سعد الذابح (10 فبراير) |
| نوع البرد | صقيع رطب مع أمطار أحياناً | صقيع جاف وحاد |
| الشهرة | أشهر موسمي البرد إعلامياً | أقل شهرة لكنه أشدّ فعلاً |
| العادات | فتح بيت الشتاء، التدفئة بالفحم | الحيطة والحذر، بداية التخفيف التدريجي |
عادات العرب في فصل الشتاء
لم يكتفِ العرب بمراقبة المنازل فلكياً بل طوّروا عادات وتقاليد خاصة بالاستعداد للبرد القارس:
الطعام الدسم
أشهر طعام في المربعانية والشبط هو «المقشّر» وهو طعام يُحضّر من الحبوب المطبوخة بالسمن واللبن الرائب، ويُعدّ من أغنى الأطعمة سعرات حرارية مناسبة للبرد القارس. كذلك «الهريس» و«المطواية» و«الثريد» من الأطعمة الدسمة التي تُقدّم في المجالس الشتوية، وتُروى فيها قصص السمر والأنواء.
البيت الشتوي
كان لأهل البادية «بيت شتوي» ثابت يختلف عن خيمة الصيف: جدرانه من القماش السميك أو الصوف، وأرضيته من الحصباء أو الرمال الصلبة، ويُوقد فيه فحم أو «عبية» توضع وسط البيت للتدفئة، ويجلس حولها أهل الدار والضيوف طوال الليل.
رعاية الحيوانات
كانت أشدّ أيام السنة خوفاً على صغار المواشي في المربعانية والشبط، خاصة صغار الماعز والغنم (العجّل والحمل)، فكانت تُدخل داخل المربع وتُغطّى بالأغطية الصوفية ليلاً، وتُقدّم لها المياه الدافئة صباحاً قبل الخروج للمرعى.
أمثال الشتاء الشهيرة
لم يترك العرب موسم البرد دون أمثال توارثها الأجيال جيلاً بعد جيل:
- «أبرد ما يكون بطلوع الإكليل» — بداية المربعانية والبرد الفعلي.
- «برد الشولة» — أشهر تعبير عن ذروة البرد في المربعانية.
- «إذا طلع القلب، هرب الصيادُ في الغيضِ» — قسوة البرد على الصيادين وأهل البرية.
- «الشبط رجل غدّار» — يفتح برداً بعد برد في نهاية المربعانية.
- «إذا طلع سعد السعود، خفّت الثياب» — نهاية البرد وبداية الربيع.
كيف تتبع المنازل والطالع يومياً؟
يمكنك متابعة المنازل والطالع الفلكي الحالي يومياً عبر قسم «الفلك والأنواء» في موقعنا في قسم «الفلك والأنواء»، حيث يعرض لك المنزلة الحالية والموسم النشط مع وصف الطقس المتوقع وأمثاله الشعبية. كما يمكنك زيارة صفحة أي منزلة من خلال الروابط المباشرة داخل القسم لمعرفة تفاصيلها الكاملة ومواعيدها على مدار السنة.
خاتمة
المربعانية والشبط ليسا مجرد تقسيم فلكي للشتاء، بل هما تجربة حياة كاملة نشأت في قلب الصحراء حيث البرد أشدّ والموارد محدودة. من الإكليل الذي يفتح الباب بالبرد الأول إلى سعد السعود الذي يُغلقه بالدفء الأخير، يمرّ هذا الموسم الطويل بثماني مراحل متتالية تُشكّل ما يمكن أن نسمّيه «الفصل الشتوي» لجزيرة العربية، فيتسق فيها الفلك بالحياة والتراث والعادات الغذائية والرعوية، إرثاً تتوارثه الأجيال.
أسئلة شائعة
أيهما أكثر برداً: المربعانية أم الشبط؟ الشبط في الواقع أكثر برداً من المربعانية رغم أن المربعانية أشهر إعلامياً. فسعد الذابح (10 فبراير) من أبرد أيام السنة على الإطلاق، ويتصف برد الشبط بالجفاف والحدة.
لماذا المربعانية أشهر من الشبط؟ لأن المربعانية تأتي بعد فترة انتقالية من البرد الخفيف، فيشعر الناس بالفرق بشكل أوضح ويعزون إليه تغيّر الحياة والأنشطة. أمّا الشبط فتأتي بعد برد مستمر فيقلّ إحساس الناس بالفرق النسبي رغم أنه أشدّ فعلياً.
هل تؤثر المربعانية والشبط على الصحة؟ نعم، فالبرد القارس يزيد من خطر التهابات الجهاز التنفسي والجفاف وانخفاض درجة حرارة الجسم، خاصة عند كبار السن والأطفال. يُنصح بارتداء الملابس الثقيلة وشرب السوائل الدافئة والبقاء في الداخل قدر الإمكان خلال هذه الفترة.